الجزر المغربية نبض من التاريخ المغربي الصليبي

الاثنين، 4 يونيو، 2012

هى ثلاث جزر يتكون منها ارخبيل الجزر الجعفرية المغربى وتقع قبالة السواحل الشمالية للمغرب بالقرب من الحدود الجزائرية، على مسافة 27 ميلا إلى الشرق من مدينة مليلية وتفصلها حوالي أربعة كيلومترات عن الشاطئ المغربي ، جزيرتين منهم مقفرتين والجزيرة الوسطى هي الوحيدة المأهولة باعتبارها موطنا لعينات نادرة من الكائنات البحرية وملجأ لأنواع مختلفة من الطيور ، وهذه الجزر الثلاث الصغيرة تشهد صراعا عنيفا بين المغرب واسبانيا حيث يعود النفوذ الاسبانى فى الأرخبيل إلى سنة 1848.


والجزر الثلاث هم جزيرة نكور وصخرة بادس وجزيرة ليلى التى اثارت المشكلات بين البلدين فى الآونة الاخيرة . أولهما جزيرة " نكور" وهي عبارة عن صخرة بارزة تتوسط الجزيرتين الاخرتين وتقع فى خليج صغير يحمل نفس الاسم ، وتمتد هذه الجزيرة على طول 12 كيلومترا ويفصلها حوالي كيلومترين عن البر المغربى ، وتتمتع جزيرة نكور بأهمية إستراتيجية كبيرة نظرا لموقعها الذى يسمح بالسيطرة على خليج الحسيمة ، لذا فقد تعرضت الجزيرة للاحتلال الاسبانى فى وقت مبكر وذلك فى 1560 عندما احتلها الإسبان بشكل مؤقت ثم احتلتها اسبانيا نهائيا فى أواخر القرن السابع عشر وترابط حاليا حامية إسبانية على الجزيرة الصغيرة التى تنطلق منها الأسلاك البحرية الممتدة إلى شبه الجزيرة الإيبيرية ومدينتي سبتة ومليلية.





الجزيرة الثانية هى "صخرة بادس" والتى اتخذت اسمها من تكوينها الصخرى وتقع على بعد أقل من 100 متر من الساحل المغربي وهى الجزيرة التى كادت أن تتحول إلى مجرد لسان رملي بعد تعرضها لعاصفة قوية سنة 1934 ، وكانت هذه الجزيرة هى اولى الجزر الثلاث التى تتعرض للاستعمار وذلك عام 1508 ولكن المغاربة استردوها سنة 1522 ثم قامت اسبانيا بمحاولة لاعادة احتلالها بعد استقلالها بثلاث سنوات ولكنها فشلت ثم ما لبثت الجزيرة ان سقطت فى ايدى الاحتلال الاسبانى بمساعدة من المالطيين والدوريين والتوسكانيين وذلك فى 1564 ، وقد ظلت إسبانيا تحتفظ بالجزيرة منذ ذلك التاريخ رغم أن هيئة المنتخبين الإسبانية اقترحت سنة 1872 التخلى عنها لافتقارها إلى الأهمية العسكرية.

الجزيرة الثالثة هى اشهرهم وأجملهم وهى جزيرة " ليلى" تبلغ مساحتها 13.5 هكتارا وتقع على بعد أقل من 200 متر من الشواطئ المغربية فى نقطة تفصلها 40 كيلومترا عن مدينة طنجة وتبعد 8 كيلومترات إلى الغرب من مدينة سبتة التى تخضع لإسبانيا ، وهى الجزيرة التى عرفها العالم اجمع منذ خمس سنوات عندما ظهرت قضية السيادة عليها الى السطح مرة اخرى ، وتمثل أزمة جزيرة ليلى جزء صغير من الخلاف المغربى الاسبانى المتعلق بقضية السيادة على مدينتي سبتة ومليلية والجزر الثلاثة الموجودة بمحاذاة السواحل المغربية .



وقد انتهت الحماية الاسبانية على الجزيرة الجرداء فى أواخر الخمسينيات من القرن الماضي بعد إلغاء الحماية الإسبانية التى كانت سارية على أجزاء من شمال المغرب، وبذلك اعتبر المغرب أن الجزيرة عادت إلى حوزته وظلت الجزيرة مهجورة إلا من بعض الصيادين ورعاة الماشية الذين كانوا يترددون عليها انطلاقا من منطقة جبل موسى المجاورة وكذلك بعض ممارسى رياضة الغوص .

وجزيرة ليلى تحمل العديد من الاسماء فالبعض يطلق عليها جزيرة "تورة" وهو الاسم الذى يطلقه عليها المغاربة أما تسميتها بليلى فهى تسمية أسبانية وأصلها (لائيلا) أي "الجزيرة" والبعض يقول ان "ليلى" هي البنت الصغيرة ل"مليلة" لأن أصل التسمية هو "أم ليلى" وإنها من فرط الترداد على ألسنة العامة أصبحت "مليلة".

ويعود تاريخ الاستعمار الاسبانى لجزيرة ليلى إلى بداية القرن ال19 فى 28 مارس 1808 عندما قامت بريطانيا باحتلال الجزيرة بمباركة من السلطان المغربي المولى سليمان بن المولى محمد الذى استعان بهم بعدما عجز فى


مواجهة القوة الإسبانية الضاربة واستمر الوجود البريطاني بالجزيرة خمس سنوات. وقد حاولت إسبانيا مرارا احتلال الجزيرة إلا أن مقاومة الإنجليز كانت صارمة وفي سنة 1848 استطاعت اسبانيا استعادة نفوذها بالجزيرة وقامت وزارة الأشغال العمومية الإسبانية فى 13 نوفمبر 1848 بوضع حجر الأساس لبناء منارة بالجزيرة ثم قامت السلطات الاسبانية بتحطيمه وأنزال العلم الأسباني ، ثم توارت جزيرة ليلى عن الانظار ، ولم تذكر اتفاقية الحماية الموقعة بين فرنسا وبريطانيا بتاريخ 8 أبريل 1904، كما وقعت فرنسا وإسبانيا اتفاقية أخرى فى نفس العام نصت بعض بنود هذه الاتفاقيات على أنه لضمان حرية المرور عبر مضيق جبل طارق لا يحق لأي دولة أن تبني منشآت إستراتيجية على الشواطئ المغربية وخاصة ما بين مليلية ووادي سبو الواقع على الشاطئ الأطلسي المغربي ، ثم وقعت كل من فرنسا والمغرب اتفاقا آخر فى 30 مارس 1912 وكذلك وقعت إسبانيا والمغرب يوم 27 نوفمبر من نفس العام اتفاقا ينفى وجود أي علاقة بين إسبانيا وجزيرة ليلى. ومنذ 40 سنة والمغرب وإسبانيا متفقان على عدم استغلال جزيرة ليلى اى اعتبار الموقع "أرضا خلاء" من الناحية العملية.



وتعتبر أزمة جزيرة ليلى جزءا صغيرا على هامش الخلاف الأصلي المتعلق بقضية السيادة على مدينتي سبتة ومليلية الخاضعتان للسيطرة الإسبانية منذ 1668 و1497 على التوالي ، حيث يعتبر المغرب أن بقاء الثغور المذكورة على الوضع الراهن يمثل حالة شاذة تنتمى إلى المرحلة الاستعمارية وأن تطاول عهد الوجود الإسباني فيها ليست له قيمة قانونية، خاصة أن مطالبة المغرب باستعادتها لم تتوقف قط وأن جهودا كبيرة بذلت فى ذلك الاتجاه مثلما حدث فى القرن ال 18 فى عهد السلطان محمد الثالث ، وقد تحول الموضوع إلى إحدى ثوابت خطاب الحركة الوطنية المغربية قبل تبنيه رسميا عند الاستقلال حيث بدأ يطرح بإلحاح خاصة منذ سنة 1975. وتواجه إسبانيا هذا الخطاب عادة بالتجاهل وتكتفى بالتأكيد على أن المدينتين تشكلان مع توابعهما جزءا من التراب الإسباني وأن تلك المواقع ليست موضوعا لأي نزاع ، ويشار إلى أن سبتة ومليلية تعدان مصدرا لتهريب البضائع الإسبانية والأوربية إلى الأسواق المغربية حيث تعيش عشرات الآلاف من الأسر المغربية على الاتجار في هذه البضائع.

إحياء لتاريخ المقاومة الوطنية

الاثنين، 19 ديسمبر، 2011

لفتة إلى من ضحو بأموالهم وأنفسهم في سبيل هذه الارض وشعبها أبطال المقاومة في وجه المستعمر الفرنسي واللذين لهم كل تقدبر والإحترام


إن إبطال المقاومة في كل بلدان العالم يحظون بتقدير واحترام خاص لأنهم رمزلحرية وكرامة وشهامة شعوبهم وأوطانهم التي قدموا دمائهم فداء لها لكي تعيش بحرية دون تدخل الآخرين وفرض سيطرتهم.إن على كل موريتاني أن يحترم أبطال المقاومة لأنهم كانوا حماة للوطن والدين والعادات, وعلى المثقفين والباحثين أن يدرسوا تاريخهم


وتراثهم لمعرفة أساليب المقاومة التي كانوا يتبعونها وكيف كانوا يقاتلون بطرقبدائية ويكبدون المستعمر خسائر فادحة في الأرواح والعتاد بقوة الإيمان والشجاعة.يجب نبش تاريخهم الحقيقي وتدريسه للأجيال بشكل واسع وفي كل المراحلالتعليمية لأنهم رمز من رموز البلد ومرحلة ناصعة من تاريخه، يجب على الأجيال أن يعرفوها ويحق لهم أن يفتخروا بها .إن تاريخ أبطال المقاومة الموريتانية العسكرية والسياسية والدينية شبه مجهول ومهمش ولا يعرف الكثير منه ولا يعرف البعض عن المقاومة والمقاومين ولاعن حياتهم ولا كيف يقومون بمقاومتهم خاصة العسكرية منها والمتعلقة بتنفيذ عمليات عسكرية ضد الجيش الاستعماري الفرنسي وعملائه ويبدوا أن الاستعمار أراد ذلك حتى يسهم في طمس هوية هذا الشعب المسلم المجاهد .لذلك لا يعرف الكثير من الموريتانيين حتى المثقفين منهم عن مقاومة ولد حامد الكنتاوي في تكانت ولا عن مقاومة أهل الكدية في الحوض والتي دوخت المستعمر الغاشم ولا يعرف أيضا لماذا نفى المستعمر ولد الخليفة القلاوي من الوطن إلى وسط أفريقيا ومن يعرف عن المقاومة الشرسة التي قادها أحمد ولد اديد وصديقه المختار في الترارزة ومن يعرف عن آخرين كثيرين قدموادمائهم وسجنوا وعذبوا من طرف المستعمر الظالم ولكن في سبيل الحرية والذود عن الوطن .ومع هذا كله فإني استغرب من يطالب برد الاعتبار لبعض السياسيين من عملاء الاستعمار الفرنسي الهمجي من خلال إنشاء جمعيات ثقافية للتعريف بهم ودراسة مذكراتهم باعتبارهم أبطالا وجزء من تاريخ البلد .؟؟
واني أقول لهؤلاء أليس أحريا وأفضل لكم أن تطالبوا برد الاعتبار إلى رجال وأبطال المقاومة الوطنية الحقة وتأسيس جمعية لإحياء تراثهم وتاريخهم ومعرفة أماكن قتلهم وقبورهم لان البعض قتله المستعمر الفرنسي وأخفى جثته إلى اليوم فلا احد يعرف مكانه ولا احد يطالب بذلك , كما تجب مطالبة المستعمر الفرنسي بالتعويض لذويهم بل التعويض للبلد ككل عن فترة الاستعمار القاسية التي مرت بها البلاد والتي مارس فيها المستعمر ابشع طرق القمع من قتل وسجن وتعذيب ونفي خارج البلاد للمقاومين كما نهب ثروات البلد دون ان يترك أي بنى تحتية يمكن أن تكون اساسا لتنمية الدولة الوليدة , كما فعل في بعض الدول المجاورة . فيجب إذن إحياء تراث المقاومة لا تاريخ عملاء الاستعمار .

الصحراء الغربية.. المغرب أم البوليساريو؟

الجمعة، 16 ديسمبر، 2011

 
أحسب أن قصة الصحراء الغربية من القصص التي يجب أن ينتبه إليها المسلمون بقوَّة، ليس في المغرب وحدها، ولكن في كل بلاد العالم الإسلامي؛ فوضعها خطير، وقد يكون له تداعيات على المنطقة كلّها. ولقد ذكرتُ في المقال السابق "المغرب وقصة الصحراء الغربية" بداية القصة، وعرفنا الأطماع الاستعمارية الفرنسية والإسبانية في المنطقة، ورأينا كيف سبقت إسبانيا باحتلال منطقة الصحراء الغربية الواقعة في منتصف المملكة المغربية آنذاك، وذلك في سنة 1884م، ثم تبعتها فرنسا باحتلال جنوب المغرب (المعروف الآن بموريتانيا) سنة 1902م، ثم تطور الأمر في سنة 1906م عندما أقدمت فرنسا وإسبانيا على احتلال بقية أجزاء المغرب؛ حيث احتلت إسبانيا منطقة الريف في أقصى شمال المغرب، واحتلت فرنسا بقية أجزاء المغرب؛ لتقع المملكة بكاملها في براثن المغتصبين من الفرنسيين والأسبان.

محمد عبد الكريم الخطابي في مصر ورأينا جميعًا أن هذا الاحتلال لم يكن من فراغ، فقد كان الحكم في المغرب آنذاك في غاية الضعف، وكان الولاء للدول الأوربية هو السائد، ولم تكن هناك رؤية سليمة عند معظم من أداروا الأمور في هذه الفترة.. ومع ذلك فإننا رأينا حركة واعية من الشعب المغربي الأصيل، الذي لم يكتفِ بمقاومة المستعمرين، إنما ثار على سلاطينه المرّة تلو المرة، بل قام بخلع بعضهم ممن يوالون الأجانب صراحة، وقامت حركة الأمير المجاهد عبد الكريم خطابي ثم ابنه محمد عبد الكريم الخطابي، إلا أن الأخير - برغم نجاحه في أكثر من موقعةٍ في مقاومة المستعمر الإسباني - قد تَمّ اعتقاله، ونفيه إلى جزيرة ريونيون بالمحيط الهندي.

هدأت الأمور نسبيًّا بعد نفي محمد عبد الكريم الخطابي، وتولى السلطنة في المغرب السلطان محمد بن يوسف المعروف بمحمد الخامس، وذلك في سنة 1927م، واستقرت الجيوش الفرنسية والإسبانية في كل قطاعات المغرب من

السلطان محمد الخامس أقصى الشمال إلى جنوب موريتانيا.. وحدثت بعض الصراعات بين الجيشيْن الأوربيين نتيجة اختلافهما على تحديد أملاك كل واحد منهما! وانتهى الأمر في سنة 1932م باتفاقية ضمت كل أجزاء الصحراء الغربية إلى إسبانيا، وتحديدًا إقليم الساقية الحمراء في شمال الصحراء الغربية، وكذلك إقليم وادي الذهب في جنوب الصحراء الغربية.
ثورة الشعب المغربي
استمرت ثورات الشعب المغربي الأصيل، سواءٌ في الشمال أو في الصحراء الغربية أو في موريتانيا، وزادت حدة الثورات في سنة 1952م عندما عزل الفرنسيون السلطان محمد الخامس، ووضعوا مكانه رجلاً آخر هو محمد بن عرفة، ولكن فرنسا ازدادت في قمعها للثورة، وقامت بنفي السلطان محمد الخامس، وابنه الحسن إلى كورسيكا ثم إلى مدغشقر، وذلك في سنة 1953م.
ولكن هذا لم يهدِّئ الثورة، بل زادت وتوهجت، وعُرفت بثورة "الملك والشعب"، وشعرت فرنسا أن الأمور تخرج من يدها، فاضطرت إلى إعادة السلطان محمد الخامس إلى المغرب 1955م، بل قامت بالجلاء عن الشمال المغربي سنة 1956م؛ لينال هذا القسم من المغرب استقلاله، وفي نفس الوقت رحلت إسبانيا عن منطقة الريف في أقصى شمال المغرب، وإن ظلت تسيطر على مدينتي "سبتة ومليلية".
ومع استقلال هذا الجزء من المغرب إلا أنّ الصحراء الغربية ظلت تحت الاحتلال الإسباني، وكذلك موريتانيا ظلت تحت الاحتلال الفرنسي، وازدادت الثورات في هذه المناطق لتحقِّق التحرير كما حدث في الشمال، لكنَّ الاستعماريْن الفرنسي والإسباني قاما بالتنسيق معًا سنة 1958م في اتفاق أم قرين (شمال موريتانيا)؛ لقمع ثورات المسلمين في هذه المناطق. وبالفعل تم القضاء على الحركة المسلحة في منطقة الصحراء الغربية، وفي نفس السنة 1958م لتتوقف لأكثر من عشر سنوات عن المقاومة، لكن الأمر في موريتانيا كان مختلفًا؛ حيث أدت الثورات إلى خروج فرنسا من موريتانيا سنة 1960م، لتعلن هذه المنطقة استقلالها، ولكن كدولة منفصلة عن المغرب، وهي المعروفة الآن بدولة موريتانيا.
انقسام على السيادة

الملك الحسن الثاني شعرت إسبانيا بالقلق الشديد لاستقلال المغرب وموريتانيا، ومِن ثَم أعلنت سنة 1961م أن الصحراء الغربية محافظة إسبانية، في محاولة لصرف أذهان المغاربة تمامًا عن هذه المنطقة. وفي هذا الوقت توفِّي السلطان محمد الخامس ليخلفه في حكم المغرب ابنه الملك الحسن الثاني، الذي آثر الطريق السلميّ في حل مشكلة الصحراء الغربية وموريتانيا، فلجأ إلى الأمم المتحدة لكي يطالب بتحرير الصحراء الغربية، وضمّ موريتانيا إلى المغرب كما كانت قبل الاحتلال الفرنسي لها، وهذا - لا شك - أدى إلى أزمة واضحة بين المغرب وموريتانيا.

تحررت الجزائر في سنة 1962م من الاحتلال الفرنسي، وما لبثت أن دخلت في صراع عسكري مع المغرب الشقيق بخصوص منطقة تندوف، وهي أرض مغربية ضمها الاستعمار الفرنسي للجزائر، وطالب بها المغرب بعد استقلال الجزائر، لكنْ لم يتوصل الطرفان إلى حل؛ فدارت معركة عُرفت بـ "حرب

استقلال الجزائر عن فرنسا سنة 1962الرمال" سنة 1963م، كانت لها تداعيات سلبية كبيرة على قصتنا، وسوف نُفرِد لها مقالاً لاحقًا - بإذن الله - للحديث عن العَلاقات الجزائرية المغربية، نوضح فيه هذا الملف بالتفصيل.
تدخلت الدول العربية لحل النزاع، وتم بالفعل وقف الحرب، لكن ظلت البراكين في النفوس؛ فقد بقيت تندوف بيد الجزائر، وهذا - لا شك - سيكون له أثر مستقبلي على قصة الصحراء الغربية.
ظلت الأمور ساكنة في الصحراء الغربية، مع مطالبات في الأمم المتحدة خاصة بقضية الصحراء، والجديد في الأمر أن كلاًّ من المغرب وموريتانيا بدأتا تطالبان بالصحراء الغربية! ومِن ثَمّ انقسم العرب على أنفسهم حتى في الأمم المتحدة !
في سنة 1970م قامت انتفاضة عسكرية في مدينة العيون في الصحراء الغربية عُرفت بانتفاضة الزملة، تطالب بتحرير الصحراء الغربية من إسبانيا، وقامت إسبانيا بقمع هذه الانتفاضة بعنف شديد، وقُتل واعتقل عدد كبير من الصحراويين، لكن الأمور لم تهدأ، بل استمرت المقاومة بقوة.
وفي 10 مايو 1973م تأسست جبهة عسكرية من أهل الصحراء الغربية تهدف إلى مقاومة المحتل الإسباني، وقد عُرفت هذه الجبهة باسم البوليساريو. وكلمة البوليساريو عبارة عن الحروف الأولى لكلمة "الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب"، وهذا باللغة الإسبانية. وقد بدأت الجبهة حربها مباشرة مع المستعمر الإسباني بعد عشرة أيام من تأسيسها.
كان التوجُّه العام لجبهة البوليساريو توجُّهًا شيوعيًّا ماركسيًّا، ومن ثَم فقد حصلت على الدعم مباشرة من ليبيا ثم من الجزائر، والذين كانوا ينتمون إلى نفس الاتجاه، بينما كان توجُّه المغرب أمريكيًّا واضحًا، وهذا يؤثر على الأوضاع كما هو معلوم.
إسبانيا وإثارة القلاقل
حاولت إسبانيا أن تقمع المقاومة العسكرية في الصحراء الغربية ولكنها فشلت في ذلك، مما جعلها تقرر الخروج من الصحراء الغربية نهائيًّا في سنة 1975م، لكنها لم تشأ أن تخرج دون أن تترك وراءها مشكلات تُبقِي على الصراع في هذه المنطقة دومًا؛ بحيث لا تنعم باستقرار أبدًا، ومن ثَم يمكن للاستعمار أن يدسَّ أنفه من جديد في المنطقة عندما تحين الظروف. ولذا فقد قامت إسبانيا بعقد مؤتمر في مدريد يضم المغرب وموريتانيا، وأعلنت أنها ستخرج من الصحراء الغربية نهائيًّا لتترك هذه المنطقة للدولتيْن يحكمانها بالطريقة التي يريدان!
وكان هذا المؤتمر في سبتمبر 1975م، وعُرف باتفاق مدريد، وتلاحقت الأحداث بسرعة؛ فالمنطقة يطمع فيها الكثيرون، وكل واحد له حُجّته ودليله! فالمغرب يريد الصحراء الغربية لأنها - فعلاً - جزءٌ من أراضيه، وقد احتلت 91 سنة ثم تحررت، فلماذا لا تعود إلى أصولها؟ وموريتانيا ترى أن أخذ المغرب للصحراء الغربية سيجدد مطالبها بضم موريتانيا ذاتها إلى المغرب، ومن ثَم فالمطالبة بالصحراء الغربية أو بجزءٍ منها سيكفل أمانًا للحدود الموريتانية. أما أهل الصحراء وجبهة البوليساريو فيرَوْنَ أن المغرب وموريتانيا لم يبذلا جهدًا عسكريًّا لحل الأزمة، وأنه لو ظل المغرب يطالب ألف سنة بالصحراء الغربية في الأمم المتحدة فإن إسبانيا لن تخرج من الأرض، ومن ثَم فهُم الذين بذلوا الجهد والدماء في سبيل التحرير، ومن هنا فهُمْ يريدون إعلان منطقة الصحراء الغربية دولة مستقلة لا تتبع المغرب أو موريتانيا، ومن الجدير بالذكر أن الجزائر وقفت مع جبهة البوليساريو في مطالبها، وذلك بالطبع نظرًا للتوجُّه الماركسي للفريقيْن، إضافةً إلى الخلفية التاريخية للصراع بين المغرب والجزائر.
سارعت المغرب وموريتانيا إلى محكمة العدل الدولية للبتّ في هذه القضية الشائكة، فقضت المحكمة في 16 أكتوبر 1975م بأن هناك علاقة تاريخية بين الدولتين المغرب وموريتانيا مع هذا الإقليم الصحراوي المتنازَع عليه، ومع ذلك فإن ينبغي استفتاء جمهور الناس في الصحراء الغربية لمعرفة رغبتهم فيما لو أرادوا الانضمام إلى إحدى الدولتين أو الاستقلال.

المسيرة الخضراء سارع الملك المغربي الحسن الثاني في نفس اليوم بمخاطبة الشعب المغربي، طالبًا منه القيام بمسيرة سلميَّة ضخمة عُرفت بـ "المسيرة الخضراء" للتوجُّه إلى الصحراء الغربية (والتي ما زالت تحت الاحتلال الإسباني)، وذلك بالتنسيق مع السلطات الإسبانية؛ لكي يتم فرض الأمر الواقع : أن هذه الأرض تابعة للمغرب وليست لموريتانيا أو البوليساريو. وقد شارك في هذه المسيرة السلميَّة 350 ألف مغربي، وخرجت إلى الصحراء الغربية في 5 نوفمبر 1975م وعادت بعد أربعة أيام في 9 نوفمبر 1975م.
تقسيم الصحراء
وعلى الرغم من هذه المسيرة، وعلى الرغم من مطالبة المغرب بالصحراء الغربية كلها، بل بموريتانيا أيضًا، إلا أن المغرب جلست مع موريتانيا في حضور إسبانيا، وذلك يوم 14 نوفمبر 1975م بهدف تقسيم أرض الصحراء الغربية بين الدولتين!! فأخذت المغرب ثلثي الصحراء الغربية (إقليم الساقية الحمراء)، وأخذت موريتانيا الثلث الجنوبي (إقليم وادي الذهب)، وهذا بمنطق شيء أفضل من لا شيء!!
وفي يوم 12 يناير 1976م خرجت الجيوش الإسبانية من الصحراء الغربية، لتنطلق الجيوش المغربية إلى إقليم الساقية الحمراء، وكذلك الجيوش الموريتانية إلى إقليم وادي الذهب، بينما رفضت جبهة البوليساريو هذا الأمر كُلِّيَّة، بل تفاقم الأمر جدًّا عندما أعلنت جبهة البوليساريو قيام الجمهورية الصحراوية الشعبية الديمقراطية، وذلك في يوم 26 فبراير 1976م، وجعلت مقرها في تندوف (في الجزائر)،وكانت الجزائر أول الدول اعترافًا بهذه الجمهورية الجديدة، وتوالت اعترافات الدول صاحبة التوجُّه الشيوعي الماركسي مثل ليبيا وكوريا الشمالية وإثيوبيا وإيران (تحت حكم الشاه) وأفغانستان (تحت الحكم الروسي)، وغير ذلك من دول.
وبدأ صراع من نوع جديد، فهذه القوة الصحراوية بدأت في الحرب مباشرة ضدَّ ما أسمتهم بالمحتلين الجدد: المغرب وموريتانيا. وإزاء هذا الموقف عُقدت اتفاقية رسمية بين المغرب وموريتانيا في يوم 14 إبريل 1976م تقضي بتقسيم الصحراء الغربية بينهما؛ مما أشعل غضب البوليساريو، فتوجَّهَتْ بمهاجماتها العسكرية ناحية الطرف الأضعف وهو موريتانيا، ووصل الأمر إلى الهجوم على نواكشوط في 9 يونيو 1976م، في حملة قُتل فيها قائد الحملة مصطفى السيد، وهو رئيس جبهة البوليساريو.
ازداد الموقف تأزمًا؛ مما دفع موريتانيا إلى عقد اتفاقية دفاع مشترك مع المغرب في 13 مايو 1977م، فردَّت البوليساريو بهجوم جديد على نواكشوط في 3 يوليو من نفس السنة، وشعرت موريتانيا بالخطر الشديد؛ مما دفعها إلى قبول وساطة الجزائر في 5 أغسطس سنة 1979م، وتم عقد اتفاق يقضي بخروج موريتانيا من إقليم وادي الذهب، وقد تم هذا الخروج سريعًا جدًّا إلا أن القوات المغربية دخلت فورًا في 14 أغسطس 1979م إلى هذا الإقليم، معلنةً ضمَّه إلى التراب المغربي.
الصراع والاستفتاء

الجدار الرملي خرجت موريتانيا بذلك من الصراع، بل اعترفت بالجمهورية الصحراوية الشعبية الديمقراطية في 27 فبراير 1984م؛ وبذلك تكثَّفت هجمات البوليساريو على المملكة المغربية، وكانوا يُكثِرون من التسلل إلى داخل المغرب، حتى قامت المغرب ببناء ما يسمَّى بـ "الجدار الرملي"؛ بهدف منع مقاتلي البوليساريو من دخول المغرب، وكان هذا الجدار بدعم من الكيان الصهيوني المسمَّى إسرائيل! وتحت إشراف أرييل شارون!! وتم بناؤه بين عامي 1980 و1987م.
استمر الصراع العسكري بين أفراد البوليساريو والمغرب حتى سنة 1988م (مدة 13 سنة)، حتى تمت موافقة الطرفين على الجلوس للتفاوض السلمي في الموضوع، وقام الطرفان في سنة 1988م بعقد ما يسمَّى باتفاق المبادئ، والذي يسعى لمعرفة رأي جمهور الصحراء الغربية في القضية، وعمل استفتاء يحل المشكلة، وقد تزامن هذا الأمر مع حدوث تصدعات كثيرة في التحالفات الموجودة بين الجمهورية الصحراوية وبين حلفائها، وخاصة الجزائر التي شُغلت بأحداثها الداخلية. كما تنامى المد الإسلامي في المنطقة وهو يرفض التوجُّه الماركسي لجبهة البوليساريو، وتزايدت حدة الهجوم العالمي على المغرب بخصوص قضايا حقوق الإنسان، والتعذيب في السجون، والديكتاتورية، وغير ذلك من ملفات.. كل هذا أدى إلى قبول الأطراف المختلفة بالجلوس للبحث عن حل سلمي للقضية.
لكنْ هل وصل الفريقان إلى حل؟!

استفتاء تحديد مصير الصحراء الغربية إن الفريقين يتكلمان لغة مختلفة، فلا المغرب يفهم الصحراويين، ولا الصحراويون يفهمون المغاربة، ومن ثَم طال أمد المفاوضات وطال وطال، وهم يطرحون ما طرحته الأمم المتحدة من إجراء استفتاء تحديد مصير في الصحراء الغربية، ولكن هذا الاستفتاء يكاد يكون مستحيلاً في هذه الظروف، فمَن هم الذين سيقومون بالإدلاء بأصواتهم ؟ هل هم السكان في الصحراء حسب السجلات الإسبانية قبل خروج الأسبان سنة 1975م، أم هم السكان الحاليون الذين فيهم الكثير من المغاربة، والذين دخلوا المدن الصحراوية وعاشوا فيها منذ سيطرة المغرب على الأرض، وهذا منذ 1975م وحتى الآن، فنحن نتكلم عن 34 سنة كاملة ؟ ثم مَن الذي سيشرف على الاستفتاء؟ وما هي فترة الاستفتاء وآلياته؟ ومن الذي يضمن قبول كلِّ الأطراف بنتيجة الاستفتاء ؟ وفي حالة عدم قبول طرف هل ستتدخل الأمم المتحدة بجيوشها الأمريكية وغيرها لحلّ الأزمة، أم أن الأطراف المتصارعة لها القدرة على تطبيق ما تريد؟!
الحكم الذاتي وافتقاد الحياد
إن الأزمة شديدة التعقيد، والثقة منعدمة بين كل الأطراف، والاستعماريون ينفخون في النار ليستمر الاشتعال، والعرب في حالة من الموات، وكل هذا أدى إلى الدخول في طريق مسدود؛ فاستمرت المفاوضات سنة وسنتين وعشرة حتى أعلنوا في سنة 1999م توقف خطة الاستفتاء لاستحالتها!
وفي 31 مايو سنة 2000م تتقدم فرنسا وأمريكا بمبادرة مشتركة لمجلس الأمن لصياغة حلّ سياسي يقوم في الأساس على إعطاء حكم ذاتي للصحراويين في الصحراء الغربية، وذلك تحت السيادة المغربية، وهو يبدو في ظاهره حلاًّ يُرضِي الطرفين، لكن الثقة - كما ذكرنا - منعدمة بين المغرب والبوليساريو.
كما أنه لا يخفى على الجميع أن فرنسا وأمريكا لم يدخلا في حل القضية بدوافع الطِّيبة والحرص على حقوق الإنسان؛ ففرنسا أحد أسباب المشكلة في المنطقة، وأمريكا أحد أسباب مشاكل الدنيا كلها، ولكنهما يريدان وضع أقدامهما في كل نقاط الصراع في العالم، ومن هنا فقد رفضت جبهة البوليساريو - ومن ورائها الجزائر - لهذا الطرح، خاصةً أن التقارب بين أمريكا والمغرب كبير، ولن تكون الوساطة تامَّة النزاهة!
وماتت المفاوضات عدَّة سنوات، ثم برزت أمريكا من جديد كوسيط وحيد في مشكلات العالم لتدعو الطرفين للتفاوض تحت رعايتها، وقَبِل البوليساريو في ظل الوضع المتردي لجمهوريتهم الاسميَّة والموجودة في تندوف بالجزائر، وبدأت سلسلة من المباحثات في ضاحية مانهاست بنيويورك في أمريكا، ووصلت عدد الجولات بين الفريقين إلى أربعة، وقد باءت كلها بالفشل الذريع، وهم الآن يمهدون للجولة الخامسة، وأغلب الظن أنها ستفشل كما فشلت الجولات الأربعة السابقة.
لقد أصدرت الأمم المتحدة قرارًا خطيرًا بوجوب الاستفتاء في الصحراء قبل 30 إبريل 2010م، وتميل جبهة البوليساريو إلى هذا القرار، أما المغرب فتميل إلى فكرة الحكم الذاتي تحت سيطرة المغرب، وأصابع الأمريكان والفرنسيين والأسبان واليهود ليست بعيدة عن الأحداث.
فما هو حل هذه المشكلة المعقَّدة؟!
هل ينبغي أن تضمَّ المغرب الصحراء الغربية كلها وتعرض عن رغبات الصحراويين؟!
أم هل يتم تقسيم الأرض بين المغرب والبوليساريو؟!
أم هل يُقام حكم ذاتي للصحراويين داخل إطار الحكم المغربي؟!
أم هل يُجرى استفتاء بين الصحراويين لتحديد المصير؟!
أم هل يستقل الصحراويون بالصحراء الغربية، ويكوِّنون دولة ذات سيادة كاملة على أرضها؟!
أم هل تظل المفاوضات مائة سنة أخرى؟!
أم هل يرسل مجلس الأمن وأمريكا قوَّاتهم لفرض الأمن والأمان؟
شاركونا يا أصحاب الرأي، ويا أهل المغرب والصحراء الغربية وموريتانيا والجزائر، ويا عموم المسلمين الذين يريدون لأمتهم وحدةً وقوَّةً وسيادةً ومجدًا.
أمَّا أنا فأرى الحل واضحًا، والسبيلَ ممهدًا، لكنْ لهذا حديثٌ آخر، وهو موضوع مقالنا الأسبوع القادم بإذن الله.
وأسأل الله أن يُعِزَّ الإسلام والمسلمين.
د
. راغب السرجاني

المغرب وقصة الصحراء الغربية بقلم د. راغب السرجاني

يعتصر الألم قلبي عندما أجد كثيرًا من الشباب المسلم لا يعرف شيئًا عن قضايا مهمَّة وماسَّة تخصّ أمتنا الإسلامية، وينتج عنها آثار ضخمة هائلة، بينما تجد هؤلاء الشباب قد بذلوا جهدًا وافيًا في معرفة أمور لا ينبني عليها عمل، وقد تكون من الأمور الترفيَّة، أو أحيانًا من الأمور الحرام.
إننا نحتاج في هذه الفترة العصيبة التي تمر بها أمتنا أن نلمَّ بشكل كامل بمشاكل الأمة وهمومها، وأن نبذل الجهد والوقت في معرفة تفاصيل الأزمات التي نعيشها، وأن نبحث عن الحلول المنطقية لها أو نقترحها، وأن نشارك عموم المسلمين أحزانهم وأفراحهم، وأن نعيش المعنى العميق الذي ذكره ربنا I في كتابه عندما قال: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92].
ومن هذه المشاكل التي تحتاج إلى دراسة وفقه مشكلة الصحراء الغربية، والتي صارت محلَّ نزاع بين المغرب وجبهة البوليساريو، ودخل في الصراع أطراف أخرى مثل موريتانيا والجزائر، وأدت إلى تنافر هذه الدول الإسلامية، بل وصل الأمرُ إلى الحروب المفتوحة!
وأنا في تحليلي هذا لا أتوجَّه بالحديث إلى حكّام هذه الدول وشعوبها فقط، ولكن أتوجّه به إلى عامة المسلمين الغيورين على أمتهم ووحدتها، ولا يقولَنَّ أحدُنا: وما لي وبلاد المغرب والجزائر وموريتانيا؛ فإنما نحن كالجسد الواحد كما علَّمنا حبيبنا r، ولا يقولَنَّ أحدنا: ليس في يدي شيء؛ فعسى أن يكون الفهم بداية العمل، وأن يصبح العمل الصغير كبيرًا، وإن لم تجد شيئًا فيكفيك أن تشعر بالهمِّ والألم؛ فإن هذا يدفع إلى دعاء مخلص، قد يفتح الله U لنا به السُّبل لحل أزماتنا.
مشكلة الصحراء الغربية

ومشكلة الصحراء الغربية مشكلة معقَّدة فعلاً، وذلك لأسباب كثيرة سنعرض لها بإذن الله، ومع ذلك فأنا أرى الحلّ فيها واضحًا جليًّا، ومع ذلك فالقوم يُعرضون عنه مع أنهم يعلمونه، وهذا من عجيب أحوالنا في هذا الزمن!
والمشكلة معقدة لأسباب عِدَّة، لعلَّ من أبرزها غيابَ المعلومة الصحيحة المؤكّدة التي يمكن أن نرجع إليها، ونتفق عليها، ويزيد المشكلة تعقيدًا تعددُ أطراف الصراع، وبالتالي وجهات النظر. كما أنّ القوى الاستعمارية قد حرصت قبل خروجها من العالم الإسلامي أن تترك أمورًا مبهمة تدفع إلى تصارع داخلي في الأمّة الإسلامية، وليس هذا فقط، بل قد اكتشفنا أن القوى الاستعمارية ما خرجت حقيقةً من بلادنا، إنما بقي من زعمائنا من يدين لها بالولاء، ومِن ثَمَّ فهو يوجِّه دفة الأحداث نحو ما يريده طرف قد لا نراه ظاهرًا، وفوق كل ذلك فإنَّ القوى العالمية الحديثة كأمريكا وروسيا أدخلت أنفها كذلك في هذه الأحداث، فزادتها تعقيدًا وتشابكًا.
وكما تعوّدنا، فإننا لن نستطيع أن نفهم المشكلة على حقيقتها دون أن نعود إلى جذورها، وسأحاول أن أكون مختصِرًا، وإن كان الأمر يحتاج إلى تفصيل، إضافةً إلى أننا نحتاج إلى مقالات كثيرة موازية تشرح أمورًا ذات علاقة بقصتنا؛ مثل العلاقات الجزائرية المغربية، ومثل قصة الاحتلال الأوربي لإفريقيا، ومثل تاريخ العائلة الحاكمة في المغرب، ومثل تاريخ الممالك الإسلامية في منطقة الصحراء الكبرى والسنغال وغيرها من مناطق غرب إفريقيا.
مؤتمر برلين وتقسيم إفريقيا

إننا سنبدأ قصتنا من أخريات القرن التاسع عشر، وتحديدًا في سنة 1884م عندما عقدت الدول الاستعمارية الكبرى، وفي مقدمتها بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال، مؤتمرًا في برلين بألمانيا، وفي هذا المؤتمر قاموا بتقسيم إفريقيا بكاملها على الحضور! وهذا المؤتمر يحتاج منا إلى دراسة مفصَّلة لأهميته في فهم قصة إفريقيا، لكنّ المهم لدينا الآن أنه تم الاتفاق في هذا المؤتمر على أن تتقاسم فرنسا وإسبانيا مملكة المغرب، مع الأخذ في الاعتبار أنّ فرنسا كانت تحتل بالفعل الجزائر بدءًا من عام 1830م، وكذلك تونس بدءًا من عام 1881م، وقد اعترض إمبراطور ألمانيا على هذه التقسيمة؛ لأنه يطمع في طنجة المغربية، فقامت فرنسا بترضيته عن طريق إعطائه الكونغو بدلاً من طنجة!!
إنهم يقسِّمون البلاد كما يقسِّم أيُّ مجموعة من اللصوص أموالاً سرقوها، والأغرب أن هذا التقسيم كان قبل السرقة الفعلية، ولقد تمت معظم توصيات مؤتمر برلين بشكل مذهل، ودفعت إفريقيا الثمن باهظًا، وما زالت تدفعه إلى الآن.
وما يهمنا في هذا المقال ما حدث لمملكة المغرب فهي موضوعنا الآن..
كانت مملكة المغرب آنذاك مملكة كبيرة تمتد من البحر الأبيض المتوسط شمالاً إلى السنغال جنوبًا، وهي بذلك تشمل في داخل أراضيها مملكة المغرب الحالية، وأرض الصحراء الغربية المتنازَع عليها، وكذلك دولة موريتانيا بكاملها، ولكن واقع الأمر أن السلطان المغربي لم يكن له هيمنة حقيقية على المناطق الصحراوية الجنوبية (الصحراء الغربية وموريتانيا)؛ حيث هي مناطق وعرة للغاية، وتعيش فيها القبائل الحياةَ الرعويَّة، وتطبَّق فيها نظام القبائل لا نظام المدن والدول، وهذا ما دفع إسبانيا أن تطلق كلمتها المشهورة: "إن الصحراء الغربية أرض بلا مالك". ومن هنا فإن هذه الأرض وإن كانت داخل حدود المملكة المغربية آنذاك إلا أن هذا لم يكن يعني التزامًا معينًا من السلطان المغربي ناحية هذه الأراضي، خاصةً أن الحكم الملكي في هذا الوقت كان في غاية الضعف، وهذا يجرُّنا إلى الحديث عن نظام الحكم آنذاك.
الحكم المغربي

لقد حُكمت المغرب منذ سنة 1631م/ 41 10هـ - وما زالت إلى الآن - بالأسرة العلويَّة الفلالية، وهم أبناء علي الفلال، وهو من نسل الحسن بن علي بن أبي طالب t؛ ولذلك يُعرفون بالأشراف، وكانت المغرب في وقت مؤتمر برلين الاستعماري (1884م) تحت حكم السلطان الحسن الأول بن محمد (1874- 1894م)، وفي عهده ازداد النفوذ الأجنبي جدًّا، وكانت طنجة تُحكم بمجلس يتناوب على رئاسته الفرنسيون والأسبان، ثم ما لبثت فرنسا أن احتلت تونس سنة 1881م، إضافةً إلى الجزائر المحتلة من سنة 1830م، وبالتالي فزع السلطان المغربي لأنّه علم أن الدور عليه، وأن فرنسا لن تترك بلاده، فما كان منه إلا أن لجأ إلى بريطانيا لتحميه من فرنسا، ولكن بريطانيا وفرنسا اتفقتا معًا على أن تُطلق بريطانيا يدَ الفرنسيين في المغرب على أن تغضَّ فرنسا الطرف عن احتلال بريطانيا لمصر! وبالفعل احتلت بريطانيا مصر سنة 1882م، وأصبح الطريق مفتوحًا لفرنسا لكي تحتل المغرب، ولكن كما ذكرنا قبل ذلك فإنَّ احتلال المغرب لم يكن رغبة فرنسية فقط، إنما كان رغبة فرنسية إسبانية مشتركة، لكن أساطيل فرنسا كانت مشغولة بالعربدة في موانئ العالم المختلفة، فقد كان لها أطماع توسعية فوق التخيُّل؛ مما جعلها تؤجِّل الملف المغربي قليلاً، على عكس إسبانيا التي فقدت معظم مستعمراتها السابقة، وبالتالي كانت شغوفة جدًّا باحتلال جزء من الأراضي المغربية. ومن هنا فقد زحفت الأساطيل الإسبانية لترسو على ساحل منطقة الصحراء الغربية في وسط المغرب آنذاك، وقامت باحتلاله، وذلك في سنة 1884م، وبذلك فَصَلتْ بين شمال المغرب الواقع تحت سيطرة السلطان الحسن الأول، وبين جنوبه الذي سمِّي بعد ذلك بموريتانيا.. وهذا هو الاحتلال الذي سيبقى 91 سنة متصلة (من 1884 إلى 1975م).
أسرار الصحراء الغربية

والآن وقفة مع هذه المنطقة المحتلة..
إن هذه المنطقة كانت - وما زالت - صحراء قاحلة تبلغ مساحتها 266 ألف كم2، ومعظم سكان هذا الإقليم من قبائل عربية هاجرت قديمًا من الجزيرة العربية ومن مصر، كما أن بها بعض القبائل التي تنتمي إلى البربر، ويبلغ سكان هذا الإقليم حاليًا (في تعداد 2005م) 383 ألف نسمة؛ مما يعني أنه كان قليل العدد جدًّا وقت احتلاله (أقل من مائة ألف مواطن)، ولم يكن بهذا الإقليم أي ثروات في ذلك الوقت، ومن ثَمَّ فلم يكن هناك اهتمام مغربي به؛ مما سهَّل نزول القوات الإسبانية إلى مدينة العيون، وهي أهم مدن الإقليم، ثم احتلال الإقليم بكامله.
وعلى الرغم من قلّة عدد السكان، وضعف إمكانياتهم إلا أنهم قاوموا المحتل الإسباني قدر استطاعتهم، وخاضوا عدة معارك مع الجيش الأوربي المتطور، وذلك دون مساعدة تُذكر من الجيش المغربي!
الاحتلال الإسباني

والسؤال الذي يطرح نفسه علينا: لماذا تهتم إسبانيا بهذا الإقليم الصحراوي الفقير؟! والإجابة على هذا السؤال تشمل عدة أسباب..

الاحتلال الإسبانيفأولاً: هذا الإقليم الصحراوي أخرج قبل ذلك رموزًا غيَّرت من خريطة إسبانيا في قديم الزمان؛ فمنه خرج طارق بن زياد -رحمه الله- الذي فتح بلاد الأندلس فصارت إسلامية ثمانية قرون متصلة، ومنه خرج يوسف بن تاشفين -رحمه الله- الذي انتصر على جيوش الصليبيين الأسبان في موقعة الزَّلاَّقة سنة 479هـ/ 1086م، وأسس دولة المرابطين العظيمة التي كانت تمثِّل تهديدًا مباشرًا لسلطة الأسبان في شمال الأندلس؛ فإسبانيا الآن تخشى إن قامت نهضة إسلامية في هذه المنطقة أن يصحو العملاق الإسلامي من جديد فيغيِّر خريطة إسبانيا، بل خريطة العالم.
وثانيًا: فإن إسبانيا تريد أن تضع قدمًا في المنطقة، حتى ولو كان في أفقر مناطقها، لعلَّها تتوسع قريبًا شمالاً أو جنوبًا أو شرقًا؛ فالأحلام التوسعية عند الدول الاستعمارية لا تتوقف، ولعل هذه المناطق تحوي كنوزًا من الذهب أو الحديد أو غير ذلك، وقد صدق حدس الأسبان كما سيتبيَّن لنا بعد ذلك!!
وثالثًا: كانت المنافسة محمومة بين القوى الاستعمارية المختلفة، وتستطيع الإمبراطورية أن تحقِّق مكاسب يُحسب حجمُها وقوتها، ومن ثَمَّ كانت إسبانيا تسعى للمنافسة مع فرنسا خاصة، ومع الدول الأوربية بشكل عام.
ورابعًا: تريد إسبانيا أن تطوِّق المنطقة الشمالية في المغرب من جنوبها، ثم من البحر شمالاً؛ أملاً في التمركُّز في منطقة الريف الأخضر في شمال المغرب لتحقِّق أهدافًا استراتيجية واقتصادية، وهذا ما تحقق لها بعد عدة سنوات قليلة.
وخامسًا: هذه الصحراء مواجهة لجزر الكناري المملوكة للأسبان، وبالتالي فإنَّ احتلال هذه المنطقة يوفِّر أمنًا عسكريًّا لجزر الكناري، وبالتالي لأساطيل إسبانيا وغيرها من دول أوربا.
استقرت إسبانيا نتيجة هذه الأسباب في هذه المنطقة، ولكنها لم تستطع أن تتوغل إلى عمق الصحراء لقوة المقاومة الداخلية، وكان يتزعم هذه المقاومة أحد الشيوخ الأفاضل، وهو الشيخ ماء العينين ابن الشيخ محمد فاضل القلقمي، وهو من كِرام العلماء وكِبار المجاهدين، ولقد قاوم المستعمر الإسباني بضراوة، بل أسس مدينة في عمق الصحراء اسمها مدينة السمارة، وذلك في سنة 1898م لتجميع المسلمين المجاهدين للهجوم على القوات الإسبانية، وليس هذا فقط، بل صارت مدينة السمارة مدينة علمية متميزة يطلب المسلمون فيها العلم من كل المنطقة، وكان الشيخ ماء العينين من شيوخ المالكية، وكان يقتني مكتبة من أكبر المكتبات في شمال إفريقيا، والحق أن قصته تحتاج إلى دراسة خاصة.
حاول الشيخ ماء العينين أن يستعين بالسلطان المغربي الذي أمدَّه أحيانًا ببعض السلاح، ولكنه عجز عن نصرته نصرًا حقيقيًّا؛ مما أثَّر سلبًا على المقاومة الإسلامية.
سياسة القمع الفرنسية

وكانت فرنسا في هذه الفترة مشغولة بتثبيت أقدامها في تونس، وبقمع الثورات المتتالية في الجزائر، ولكنها في نفس الوقت كانت تنظر بقلق بالغ إلى التوسع الإسباني في أرض المغرب، وهذا جعلها تدخل في مفاوضات دبلوماسية كثيرة مع إسبانيا بُغية الحد من توسعها إلا أنها اضطُّرت في سنة 1900م إلى الاعتراف لإسبانيا بملكيتها لمنطقة الصحراء المغربية.
لكن فرنسا الاستعمارية لم تقبل بهذا الوضع، ومن ثَمَّ جهزت نفسها لتحتل الجزء الجنوبي من بلاد المغرب (جنوب الصحراء الغربية المحتلة من قِبل الأسبان)، وهي المنطقة التي عُرفت بعد ذلك بموريتانيا (مورو تانيا أي أرض المسلمين في اللغة الإسبانية)، ونزلت بالفعل الأساطيل الفرنسية في أرض موريتانيا سنة 1902م لتحتلها بكاملها على الرغم من المقاومة الشعبية.
وجد الشيخ ماء العينين نفسه مضطرًّا لحرب الأسبان والفرنسيين في آنٍ واحد، فذهب لطلب النجدة من السلطان المغربي، وكان السلطان في ذلك الوقت هو السلطان عبد العزيز بن الحسن الأول، الذي تولى الأمور بعد وفاة أبيه سنة 1894م، ولقد أمدَّه في البداية ببعض القوات، إلا أنه تلقى تحذيرًا مباشرًا من فرنسا، فاضطُّر إلى وقف المساعدة! بل أكثر من ذلك لقد كوَّن في سنة 1903م مجلسًا عجيبًا لإدارة مدينة طنجة الاستراتيجية، فقد كان هذا المجلس مكونًا من ستة وعشرين عضوًا تَرك تعيين اثنين وعشرين منهم للقناصل الأجانب (الأسبان والفرنسيين)، وواحدًا يعينه الحاخام اليهودي، بينما يتولى المسلمون تعيين ثلاثة فقط!!
الثورة على السلاطين !


سبتة ومليلية وإزاء هذا الوضع المخزي قامت ثورة شعبية في المغرب؛ فالشعب وجد الأرض تتناقص من حوله، فهذه الصحراء المغربية قد أخذها الأسبان، وهذه موريتانيا قد أخذتها فرنسا، وهذه طنجة تُدار بالقناصل الأسبان والفرنسيين، إضافةً إلى سبتة ومليلية المدينتيْن المغربيتيْن المحتلتين منذ 1415م (وسنُفرِد لسبتة ومليلية مقالاً خاصًّا إن شاء الله).
وجد الشعب المغربي هذه المأساة فثار على سلطانه، وأطلق عليه لقب "عبد الأجانب"، ووجدت فرنسا هذه فرصة للتدخُّل في شئون المغرب حمايةً للسلطان المغربي من شعبه!! وأسرعت فرنسا لكنها فوجئت بتحرك الإمبراطور الألماني إلى طنجة مهدِّدًا بحرب فرنسا إنْ دخلت بجيوشها إلى المغرب، فأعطته فرنسا جزءًا من الكاميرون كرشوة لكي لا يتدخل، وقَبِل الإمبراطور الألماني وترك فرنسا تدخل إلى المغرب، فاحتلَّتْ مدينة وَجْدة في أقصى شرق المغرب قرب الحدود الجزائرية، وكذلك مدينة الدار البيضاء على الأطلسي، وكان ذلك في عام 1906م، وفي نفس الوقت دخلت القوات الإسبانية لتحتل منطقة الريف في شمال المغرب.
وجد الشعب المغربي نفسه وحيدًا بلا نصير، فثاروا على سلطانهم الموالي للنصارى، وقاموا بخلعه في سنة 1907م، ونصَّبوا مكانه أخاه عبد الحفيظ بن الحسن الأول، وهرب عبد العزيز السلطان المخلوع إلى طنجة ليكون تحت الحماية الدولية (فرنسا وإسبانيا).

السلطان عبد الحفيظ لم يتحسن الوضع في ظل السلطان الجديد عبد الحفيظ، بل ساء؛ حيث سعى إلى فرض ضرائب كثيرة بحُجَّة الإعداد لحملات عسكرية لإخراج فرنسا وإسبانيا من المغرب، فنَقَم عليه الشعب، وحاصره في مدينة فاس، فأرسلت فرنسا حملة عسكرية لنجدة السلطان عبد الحفيظ من شعبه، وذلك في سنة 1911م. وبالفعل جاءت فرنسا لتحتل فاس ومكناس والرباط، وعلى الرغم من المقاومة الشعبية المستميتة، وعلى الرغم من إبادة الحامية الفرنسية في فاس، إلا أن فرنسا عادت من جديد، واحتلت المدينة وأنقذت السلطان. غير أن ثورة الشعب لم تتوقف؛ مما أخاف السلطان عبد الحفيظ، فتنازل عن الحكم لأخيه يوسف بن الحسن الأول سنة 1912م، وهرب هو إلى مدينة طنجة لينعم بالحماية الدولية إلى جوار أخيه السلطان المخلوع عبد العزيز!

تسلَّم السلطان يوسف بن الحسن الأول الحكم ظاهريًّا، ولم يحرك ساكنًا لحرب الأسبان أو الفرنسيين، ودخلت الحرب العالمية الأولى سنة 1914م، وفي أثناء هذه الحرب توسعت فرنسا في بقية أجزاء المغرب جنوبًا حتى وصلت إلى حدود الاحتلال الإسباني في منطقة الصحراء الغربية.
والذي يطالع الخريطة المغربية آنذاك يجدها في غاية العجب؛ فالمنطقة الشمالية (منطقة الريف) احتلال إسباني، ثم المنطقة التي في جنوبها (وسط المغرب) احتلال فرنسي، ثم المنطقة التي في جنوبها (الصحراء الغربية) احتلال إسباني، ثم أقصى الجنوب (موريتانيا) احتلال فرنسي!! فهو تقطيع عجيب لم يخلق مأساة في المغرب فقط، إنما خلق جوًّا من التوتر كذلك بين الدولتيْن العدوتيْن إسبانيا وفرنسا، وهذا سيكون له آثار على تاريخ المنطقة.


الأمير عبد الكريم الخطابي


عبد الكريم الخطابي وجد الشعب المغربي أن عليه أن يعتمد على نفسه في المقاومة والجهاد، ولا داعي للآمال الزائفة في السلطان يوسف، ومن ثَمَّ قامت حركة الأمير المجاهد العظيم عبد الكريم الخطابي في منطقة الريف في شمال المغرب، وهي حركة تستحق الدراسة، إلا أنه لم يلبث أن توفِّي سنة 1919م، ليخلفه ابنه القاضي المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي، الذي ألحق خسائر فادحة بالجيش الإسباني، لكنه أُسر في النهاية في سنة 1925م، ليتم نفيه إلى جزيرة ريونيون.
وفي نفس الوقت نجح الشعب المسلم في منطقة الصحراء الغربية وموريتانيا في إلحاق الجيشيْن الإسباني والفرنسي عِدَّة خسائر، ودارت عدة معارك مع الجيوش المحتلة، كان من أهمها معركة أم التونسي قرب نواكشوط سنة 1932م.
إنها قصة مؤلمة في واقع الأمر رأينا فيها الكثير من المخالفات الشرعية؛ من ولاية الضعفاء، ومن عدم إعداد القوة اللازمة، ومن الفُرقة، ومن موالاة النصارى، وغير ذلك من كوارث، وليس من فراغ أن تُحتل بلاد العالم الإسلامي؛ فنحن لا نُهزم بقوة الأعداء، ولكن بضعفنا.
تُرى ماذا حدث في قصتنا من مفاجآت؟ وما هو مصير المغرب؟ وما هو مصير الصحراء الغربية؟ وما هو مصير موريتانيا؟ وماذا اكتشفت إسبانيا في الصحراء الغربية؟ ولماذا تعقدت مشكلة الصحراء الغربية بعد تحريرها؟ وما هي طرق الخروج من الأزمة؟
أسئلة كثيرة تتصارع في أذهاننا، والإجابة عليها تكشف لنا بوضوح أبعاد الموقف الذي نعيشه الآن، وهذا ما سنتناوله في المقال القادم بإذن الله.
ونسأل الله أن يُعِزَّ الإسلام والمسلمين.

د. راغب السرجاني

معركة الهري بقيادة موحا اوحمو الزياني,


معركة الهري بقيادة موحا اوحمو الزياني,

تعتبر معركة لهري الملحمية، و التي وقعت يوم 13 نونبر 1914، من أهم المعارك التي خاضها الزيانيون ضد المحتل الفرنسي الذي استهدف إذلال الأطلسيين وتركيعهم، واستنزاف خيراتهم واغتصاب ممتلكاتهم، والتصرف في مواردهم وأرزاقهم،والتحكم في رقابهم وحرياتهم التي عاشوا من أجلها. 
فماذا تعرف عن معركة الهري؟ 


أ‌- دوافــــع معركة لهري:

قرر المحتل الفرنسي إخضاع جبال الأطلس الكبير والمتوسط والصغير قصد تطويق المقاومة ومحاصرتها برا وجوا وبحرا من أجل فرض الأمن واستتباب الطمأنينة في نفوس المعمرين الأجانب لاستغلال المغرب واستنزاف خيراته الاقتصادية. لكن احتلال المغرب ضمن أبعاد فرنسا الاستعمارية ونواياها المبيتة لن يكون في صالح الحكومة الحامية إلا بالاستيلاء على الأطلس المتوسط باعتباره ممرا إستراتيجيا يفصل الشمال عن الجنوب، ويفصل أيضا الغرب عن الشرق، ويهدد كذلك وجود فرنسا بالجزائر ومدينة وجدة والمغرب الشرقي الجنوبي، ويهدد كل المناطق المتاخمة للحدود الجزائرية.

كما يكتسي الأطلس المتوسط أهمية جغرافية واقتصادية على المستوى المائي والفلاحي والغابوي؛ لكونه منبعا لكثير من الأنهار والمصبات بفضل كثرة الثلوج المتساقطة على المنطقة، والتي تتحول إلى مجار وينابيع وعيون مائية تنساب في الكثير من الأنهار كنهر أم الربيع ونهر ملوية ووادي العبيد. وبالتالي، تساهم هذه الأنهار والأودية في إنشاء السدود وتوليد الطاقة الكهربائية، فضلا عن توفر الأطلس المتوسط على خط المواصلات المباشر الذي يربط بين مراكش وفاس عبر أم الربيع وخنيفرة.

وقد دفع هذا الوضع الإستراتيجي الإقامة الفرنسية بالرباط إلى التفكير في احتلال الأطلس المتوسط لفتح الطرق والممرات البرية لتسهيل التواصل بين فاس ومراكش وتسخير خيرات الجبال لصالح فرنسا التي كانت تخوض حربا كونية ضد دول المحور التي كانت تتزعمها الإمبراطورية الألمانية بقيادة بسمارك. كما أن أغلب المقاومين الذين كانوا يحاربون فرنسا كانوا يحتمون بجبال الأطلس المتوسط ولاسيما المقاومين الزيانيين.

و قد أثبت ليوطي المقيم العام بالمغرب في 2 ماي 1914م دوافع احتلال الأطلس المتوسط حينما صرح قائلا:" إن بلاد زيان تصلح كسند لكل العصاة بالمغرب الأوسط، وإن إصرار هذه المجموعة الهامة في منطقة احتلالنا، وعلاقتها المستمرة مع القبائل الخاضعة، يكون خطرا فعليا على وجودنا، فالعصاة المتمردون والقراصنة مطمئنون لوجود ملجإ وعتاد وموارد، وقربها من خطوط محطات الجيش ومناطق الاحتلال جعل منها تهديدا دائما لمواقعنا، فكان من الواجب أن يكون هدف سياستنا، هو إبعاد كل الزيانيين بالضفة اليمنى لأم الربيع".

ونفهم من خلال هذا التصريح أن خوض المعركة ضد الزيانيين بجبال الأطلس المتوسط فرضته دوافع إستراتيجية تتمثل في محاصرة المقاومة التي كانت تساعد القبائل المجاورة والسهول المحتلة من قبل على التحرر والانعتاق من قبضة المحتل الفرنسي الذي بذل مجهودات جبارة من أجل السيطرة عليها وتطويعها.


ب‌- سيـــاق معركة لهري ومراحلها:

بعد معارك ضارية في منطقة تادلا إلى جانب رفيقه في المقاومة موحا أو سعيد، تراجع أوحمو الزياني إلى مدينة خنيفرة التي كان قائدا لها، فجمع الزيانيين ووحد القبائل بالأطلس المتوسط وتحالف مع القبائل الأطلسية المجاورة، فكون جيشا قويا مدربا على الرغم من نقص العتاد والأسلحة والمؤن التي تؤلهم للاستمرار في المعركة مدة طويلة.

ولما فشل الفرنسيون في استمالة موحا أوحمو وإغرائه وتسويفه، قررت القوات الغازية بقيادة الكولونيل هنريس Henrys أن تشن حرب الإبادة ضده وضد القبائل الأمازيغية وخاصة قبيلة زيان المعروفة بالشجاعة النادرة وقوة الشكيمة كما يعترف بذلك الجنرال گيوم :" لاتكمن قوة الزيانيين في كثرة عددهم بقدر ماتكمن في قدرتهم على مواصلة القتال بالاعتماد على ماكانوا يتحلون به من بسالة وتماسك وانتظام، وأيضا بفضل مهارة فرسانهم البالغ عددهم 2500 رجل، فكانوا بحق قوة ضاربة عركتها سنوات طويلة من الاقتتال. كما كانت أيضا سرعة الحركة والإقدام إلى جانب القدرة العفوية على المخاتلة في الحرب من الصفات المميزة لمقاتليهم..."

ويتبين لنا من هذا الاعتراف الذي صرح به قائد القوات الأجنبية أن الزيانيين بقيادة موحا أوحمو كانوا من المقاومين الأشداء، ومن المناضلين المتمرسين على فنون الحرب والقتال، يمتازون بالقوة والشجاعة، والاستشهاد في سبيل الله والاعتماد على الإيمان في خوض حروبهم ضد المستعمرين المحتلين، و اختيار حرب العصابات وأسلوب الكر والفر والمقاومة الشعبية السريعة والخاطفة في مواجهة الأعداء المتغطرسين وسحقهم.

وعلى أي، فقد دخل الفرنسيون بقيادة الكولونيل هنريس مدينة خنيفرة في 12 يونيو 1914م بجيش تجاوز تعداده ثلاثين ألف محارب، فاضطر القائد موحا أو حمو الزياني إلى إخلائها والاحتماء بالجبال المجاورة للمدينة، فبدأ يشن هجماته المرات والمرات على مدينة خنيفرة، ودخل مع المحتل في مناوشات واصطدامات كثيرة انتهت بخسائر جسيمة في صفوف الجيش الفرنسي.

هذا، وقد تعسكر موحا أوحمو مع أتباعه في مخيم بمنطقة لهري استعدادا لكل هجوم مباغت وفرارا من مدينة خنيفرة التي سيطر عليها الكولونيل هنريس، وتقع قرية لهري على مسافة 15 كيلومترا من خنيفرة.

ولما علم الكولونيل بوجود موحا أوحمو الزياني بمعسكر لهري مع أتباعه القليلي العدد، استغل ليلة شتاء 13 نوفمبر 1914م لمباغتة المقاومين داخل مخيمهم بعد أن أباد الأطفال والشيوخ والنساء بدون رحمة. وهكذا، بادر الجيش الفرنسي بقوات حاشدة لتطويق المقاومة بصفة نهائية، وهنا يقول محمد المعزوزي:" وقام بتنفيذ خطته يوم 12 نونبر، حيث تحرك بأربع فرق تضم 1300 جندي، معززة بالمدفعية، وتوجه إلى معسكر لهري حيث قام بهجوم مباغت على الدواوير ومكان المجاهدين".

وكانت المعركة التي ظنها المستعمر الفرنسي سهلة المرامي، فإذا بها تصبح بفضل شجاعة المقاومين الأشداء حربا حامية الوطيس تلطخت بدماء القتلى وجثث الغزاة التي افترشت الثرى بعد الهجوم العسكري الفاشل:" لقد كان الهجوم على معسكر الزياني عنيفا، حيث بدأ في الساعة الثالثة صباحا، وتم تطويق المعسكر من أربعة جهات في آن واحد، ليبدأ القصف شاملا، حيث قذفت الخيام المنتصبة التي تحتوي الأبرياء، وقام الجنود بأمر من لاڤيردور بمهاجمة القبائل المحيطة بالقرية، فيما استغل البعض الآخر – الجنود- الفرصة لجمع القطيع الموجود من الأغنام والأبقار، واختطاف النساء توهما بالنصر.

هذا في الوقت الذي كان فيه حشد آخر يقصد الجبل لتمشيطه من المقاومة، وبذلك تحولت منطقة لهري إلى جحيم من النيران، وسمعت أصوات الانفجارات في كل المناطق المجاورة، وظن قائد الحملة العسكرية على لهري أن النصر حليفه، وأنه وضع حدا لمقاومة الزياني.

غير أنه أصيب بخيبة أمل حينما فوجئ برد عنيف من طرف المقاومين ليدرك بعد ذلك أنه ألقى بنفسه وبقوته في مجزرة رهيبة ودوامة لاسبيل للخروج منها."

بيد أن المعركة ستحسب لصالح موحا أوحمو الزياني بعد أن تحالفت معه القبائل المجاورة، والتي حضرت بسرعة خاطفة خاصة إشقرين وآيت بوحدو وآيت نوح وآيت بويشي وآيت شارط وآيت بومزوغ وآيت خويا وآيت إحند وآيت يحيى وآيت سخمان وآيت إسحق تسكارت وآيت بوحدو ولمرابطين وقبائل زيان. وقد حاصرت هذه القبائل جميعها الجنود الفرنسيين من كل النواحي، وطوقتهم بشكل مباغت ومفاجئ، فواجهتهم بكل الأسلحة الموجودة لديهم من بنادق وفؤوس وخناجر، وقد أبانت هذه القبائل عن محبتها للقائد موحا أوحمو وعن روح قتالية عالية ورغبة كبيرة في الانتقام من الغزاة الطامعين.

وقد أظهرت الحرب هزيمة الفرنسيين بعد مقتل الكثير من الجنود والضباط ؛ مما جعل القواد يطلبون مزيدا من التعزيزات والوحدات الإضافية، لكن موحا أوحمو لم يترك لهم فرصة الانسحاب، فتتبع قواتهم الفارة، فحاصرها من كل النواحي إلى أن فتك بالكولونيل لاڤريدور عند نقطة بوزال؛ مما اضطر باقي جنوده إلى الإذعان والاستسلام لقائد قبائل زيان، بعد أن تمكن المقاوم موحا أو حمو من القضاء على نصف القوات الغازية المعتدية.


ت‌- نتائــج المعركة:

حققت معركة لهري التي قادها البطل المقاوم موحا أو حمو برفقة الزيانيين والقبائل المتحالفة نتائج إيجابية على جميع الأصعدة، ولاسيما أنها كبدت المستعمر المحتل عدة خسائر في العتاد والأرواح البشرية، فكانت بمثابة فاجعة مأساوية بالنسبة للفرنسيين حتى قال الجنرال " كيوم " Guillaumeأحد الضباط الفرنسيين الذين شاركوا في الحملة على قبائل الأطلس المتوسط في مؤلفه "البربر المغاربة وتهدئة الأطلس المتوسط (1939/1912): "لم تمن قواتنا قط في شمال إفريقيا بمثل هذه الهزيمة المفجعة"•

وقد بين محمد المختار السوسي في كتابه "المعسول" بأن معركة لهري أسفرت عن مقتل أكثر من عشرين شخصية عسكرية ذات الرتب العالية ناهيك عن أسر الكثير من الجنود، وفي هذا الصدد يقول :" ومن أكبر الوقائع في الحروب وقعة الهري التي استوصل(قتل) فيها رؤساء جنود الفرنسيين أكثر من 20 فيهم الكولونيلات(colonels) والقبطانات (capitains) والفسيانات(officiers)، وتفصيلها أن العسكر الفرنسي تقدم بقوة عظيمة وتوغل في تلك الجبال إلى أن وصل الهري المذكور، فانقض عليه عسكر زيان (بزعامة موحا أو حمو الزياني) ومن معهم وسدوا عليهم المسالك التي سلكوها وجعلوا يقتلونهم كيف يشاؤون ويأسرون إلى أن أفنوهم".

وقد ترتبت عن هذه المعركة مقتل 33 قتيلا من الضباط و650 قتيل من الجنود و176 جريح، وغنم المقاومون المغاربة كثيرا من العتاد العسكري الحديث، فحصلوا على 3مدافع كبيرة و10مدافع رشاشة وعدد كبير من البنادق وعشرات الخيول المحملة بالذخيرة الحربية والمؤن.


ج - مصير مقاومة موحا أوحمو الزياني:

خاض موحا أو حمو الزياني بعد معركة لهري عدة معارك ضد القوات الفرنسية حقق فيها نتائج إيجابية، حيث فرض القائد موحا أوحمو الحصار على مدينة خنيفرة، وهاجم رجاله قوافل التموين المتجهة إليها إبان فترة الحرب العالمية الأولى. لكن تطويق فرنسا للمقاومين الزيانيين الذين أحسوا بالتعب والإعياء والبؤس، ومحاصرتهم لهم برا وجوا عن طريق قنبلة القرى بالطائرات، بالإضافة إلى صعوبة التضاريس التي حالت دون تسهيل ربط الاتصالات والتحالفات مع القبائل الأطلسية المجاورة. فقد جعل كل هذا موحا أو حمو الزياني يستبسل بشرف وشجاعة قل نظيرها في آخر معركة بطولية يخوضها ضد المحتل الفرنسي الغاشم وهي معركة أزلاغن تزمورت بنواحي تملاكت يوم 27 مارس 1921م، حيث أصيب موحا أو حمو برصاصة العدو الاستعماري التي أودته شهيدا، وكانت تلك الرصاصة بمثابة تأشير على نهاية لمقاومة بطولية شرسة دامت ست سنوات من المقاتلة والعراك المظفر الباسل، أظهرت بكل جلاء ووضوح للعدو الفرنسي شجاعة المقاومين المغاربة.

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...
 
المقاومة المغربية © 2012 | تصميم بابل شوتر, بشراكة مع ريسلر هوستنغ - تعريب قوالب بلوجر عربية ومجانية